الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

414

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

حاصله إنّ العرف والعقلاء يرون المنافاة بين أخذ الأجرة وأداء الوظيفة ، فلذا لو أدّى الإنسان وظيفته التي هي مأمور بها بحكم القوانين الدارجة ، وأراد أخذ الأجرة في مقابله يقال له : هذا من وظيفتك ، كيف تطلب عليه أجرا ؟ وهذا أمر ظاهر عندهم ، يؤاخذون ويلومون من طلب الأجر في مقابل أداء بعض ما عليه من التكاليف العرفية ، والحقوق المتداولة ، فهذا أحسن دليل في المقام ومآله إلى كونه من قبيل أكل المال بالباطل ( فتأمّل فيه جيّدا ) . 4 - ما في بعض كلمات الشيخ الأعظم قدّس سرّه في بعض شقوق المسألة من أنّ كون الشيء واجبا مقهورا عليه من قبل الشارع يوجب عدّ أكل المال في مقابله أكلا بالباطل . والظاهر رجوعه أيضا إلى ما ذكرنا من ملاحظة المنافاة بين أداء الوظيفة وأخذ الأجرة ، بل لا ينحصر ذلك بكون الإنسان مأمورا من ناحية الشارع المقدّس ، بل كلّما كان من وظائف الإنسان الحتمية لا يكون أكل المال في مقابله إلّا باطلا . 5 - ما ذكره ( قدّس سرّه الشريف ) أيضا في بعض كلماته أنّه قد يفهم من أدلّة وجوب الشيء كونه حقّا لمخلوق يستحقّه على المكلّفين ، فكلّ من أقدم عليه فقد أدّى حقّ ذلك المخلوق ، فلا يجوز له أخذ الأجرة . والظاهر أنّ مآله أيضا إلى ما ذكرنا ، فانّ إنقاذ الغريق المشرف على الهلاك أو تجهيز الميّت أو غير ذلك ممّا مثّل له داخل فيما عرفت ، وإلّا فليس في أدلّة وجوبها ما يغاير سائر الواجبات . وقبل ذكر نتيجة البحث في المقام لا بدّ من النظر في التفصيل الذي ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه ، وحاصل ما ذكره أنّ الواجب على ثلاثة أقسام : 1 - التعييني العيني ، فيحرم أخذ الأجرة عليه ، تعبّديا كان أو توصّليا ، لأنّه أمر مقهور عليه من قبل الشارع المقدّس ، فأخذ الأجرة في مقابله أكل للمال بالباطل . 2 - الواجب التخييري ، فإن كان توصليا لا مانع من أخذ الأجرة على خصوص أحد فردي التخيير ، لأنّه غير مقهور عليه وعمله محترم ! وإن كان تعبّديا ، فان قلنا بكفاية الإخلاص بالقدر المشترك ، فهو كالتوصّلي ، وإلّا فيبطل من هذه الناحية .